ابراهيم بن عمر البقاعي
143
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
تعالى أي وذلك الستر لا يكون إلا إذا حصل منكم الإجابة التامة والتصديق التام وأدخلوا « من » إعلاما بأن مظالم العباد لا تغفر إلا بإرضاء أهلها وكذا ما يجازى به صاحبه في الدنيا بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها مما أشار إليه قوله تعالى وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [ الشورى : 30 ] وَيُجِرْكُمْ أي يمنعكم « إذا أجبتم » منع الجار لجاره لكونكم بالتحيز إلى داعيه صرتم من حزبه مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * واقتصارهم على المغفرة تذكير بذنوبهم لأن مقصودهم الإنذار لا ينافي صريح قوله في هذه السورة وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [ الأنعام : 132 ] في إثبات الثواب ، ونقله أبو حيان عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها . ولما فرغوا من التعريف بالحق والدلالة عليه والدعاء إليه والإنذار بالرفق بما أفهم كلامهم من أنهم إن لم يجيبوا انتقم منهم بالعذاب الأليم ، أتبعوه ما هو أغلظ إنذارا منه فقالوا : وَمَنْ لا يُجِبْ أي لا يتجدد منه أن يجيب داعِيَ اللَّهِ أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء الذي لا كفوء له ولا طاقة لأحد بسخطه فعم بدعوة هذا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم جميع الخلق . ولما دل الكتاب والسنة كما قدمته في سورتي الأنعام والفرقان على عموم الرسالة ، وكان التارك لإجابة من عمت رسالته عاصيا مستحقا للعذاب ، عبر عن عذابه ، بما دل على تحتمه فقال تعالى : فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ أي لما يقضي به عليه فِي الْأَرْضِ فإنه آية سلك فيها فهو في ملكه وملكه وقدرته محيطة به وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أي اللّه الذي لا يجير إلا هو أَوْلِياءُ يفعلون لأجله ما يفعل القريب مع قريبه من الذب عنه والاستشفاع له والافتداء والمناصبة لأجله . ولما انتفى عنه الخلاص من كل وجه ، وكان ذلك لا يختلف سواء كان العاصي واحدا أو أكثر ، أنتج قوله سبحانه وتعالى معبرا بالجمع لأنه أدل على القدرة ودلالة على أن العصاة كثيرة لملاءمة المعاصي لأكثر الطبائع : أُولئِكَ أي البعيدون من كل خير فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * أي ظاهر في نفسه أنه ضلال ، مظهر لكل أحد قبح إحاطتهم به ، قال القشيري : ويقال : الإجابة على ضربين : إجابة اللّه ، وإجابة الداعي ، فإجابة الداعي بشهود الواسطة وهو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإجابة اللّه بالجهر إذا بلغت المدعو رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم على لسان السفير ، وبالسر إذا حصلت التعريفات من الواردات على القلب ، فمستجيب بنفسه ، ومستجيب بقلبه ، ومستجيب بروحه ، ومستجيب بسره ، ومن توقف عن دعاء الداعي إياه هجر فيما كان يخاطب به .